السيد محمد تقي المدرسي
90
من هدى القرآن
يتحملوا ما تحمل الرسل من أذى في سبيله ، فهذا شيخ الأنبياء نوح عليه السلام يزجره قومه قصد ثنيه عن رسالته والإساءة إليه . وَازْدُجِرَ وهذه الكلمة هي تلخيص لمجمل ما تعرض له نوح عليه السلام من البلاء والإيذاء ، وهي ليست معطوفة على مَجْنُونٌ مما يجعلها داخلة في جملة القول ، بل معطوفة على فَكَذَّبُوا كما يبدو ، فهم كذبوه نفسيًّا ، وسعوا في تشويه سمعته بألسنتهم وما أمكنهم من وسائل الإعلام ، وآذوه فعلا ، وإنما استفتح السياق بذكر نوح بين الأنبياء لأنه أشدهم ابتلاء بسبب الإعراض عنه ، فقد لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم فيعرضون عنه . فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ وهذه الآية تدل على المعنى المتقدم لكلمة وَازْدُجِرَ ، إذ لولا دعاؤه لتأثر بزجرهم نفسيًّا ، أو صار ضحية له ، كما تدل على أن نوحا عليه السلام وصل إلى حد اليأس من قومه ، قال الرازي : [ إن النبي لا يدعو على قومه - هذا الدعاء - ما دام فيه نَفَس احتمال ، وما دام الإيمان منهم محتملا ، واستجاب ربنا دعاء نبيه ، ففتح السماء ماء منهمرا ، وفجَّر الأرض عيونا ، فنصره وأهلك الكافرين ] « 1 » . وبنظرة شاملة ودقيقة إلى القصة التي يعرضها القرآن في ثلاثة فصول ، يحدثنا في الأول عن معاناة نوح مع قومه ، وفي الثاني عن دعائه الذي يلخص موقفه منها ، وفي الثالث عن عذاب الله لقومه الكافرين ، نكتشف حقيقة هامة هي أن دعاء المؤمنين بالنصر لا يستجاب إلا إذا تحركوا في سبيل الله ، وإلى تحقيق النصر بأقصى ما يمكنهم معنويًّا وماديًّا ، إن الله كان قادرا على نصر نوح من أول لحظة كذبوه فيها ، ولكنه تركه يدعوهم جيلا بعد جيل ( 950 عاما ) حملت في أحشائها ألوان الأذى والابتلاء ، فكان يعده ثم يؤخر عنه النصر مرة بعد أخرى إتماما للحجة على الناس . وفي سورة نوح استشهاد مفصل بدعاء نوح عليه السلام يكشف عن عمق المعاناة التي واجهها ، ويسلط الضوء على كثير من الأفكار المتقدمة ، ولكنه هنا يختصر الحديث اعتمادا على تفصيله في مواضع أخرى ، ويقول : فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ ( 11 ) وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُوناً قال الإمام الصادق عليه السلام : « لَمَّا أَرَادَ اللهُ عَزَّوَجَلَّ هَلَاكَ قَوْمِ نُوحٍ . . - إلى أن يقول عليه السلام - فَصَاحَتِ امْرَأَتُهُ لَمَّا فَارَ التَّنُّورُ فَجَاءَ نُوحٌ إِلَى التَّنُّورِ فَوَضَعَ عَلَيْهَا طِيناً وَخَتَمَهُ حَتَّى أَدْخَلَ جَمِيعَ الحَيَوَانِ السَّفِينَةَ ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى التَّنُّورِ فَفَضَّ الخَاتَمَ وَرَفَعَ الطِّينَ وَانْكَسَفَتِ الشَّمْسُ وَجَاءَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءٌ مُنْهَمِرٌ صَبٌّ بِلَا قَطْرٍ وَتَفَجَّرَتِ الأَرْضُ عُيُوناً » « 2 » والتاريخ يؤكد أن الأرض قد غطاها الماء في يوم من الأيام ، ويستدل الباحثون على ذلك بآثار الحيوانات البحرية ، كالأصداف
--> ( 1 ) الرازي ، تفسير الرازي : ج 29 ، ص 36 نقلًا بتصرف يسير . ( 2 ) تفسير القمي : ج 1 ، ص 326 ، بحار الأنوار : ج 11 ، ص 312 .